|
بسم الله الرحمن الرحيم
" يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أقربكم عند الله أتقاكم "
صدق الله العظيم
إذا
التعارف هو القيمة الإنسانية الكبرى وأحد الأهداف الأساسي من وجود الإنسان
الذي كرمه الله وأستخلفه في الأرض ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر
والبحر )
وبنزول القرآن الكريم أصبح الإسلام دين العرب والعالمين، ومن خلال هذه
الرسالة الخاتمة التي حملها الرسول الكريم محمد ابن عبد الله صلى الله
عليه وسلم وأنقطع بوفاته الوحي بين السماء والأرض فإن العرب كرمهم الله
بحمل هذه الرسالة الخاتمة إلى الناس كافة.
وبذلك فإن ثقافة العرب وأخلاقهم وسلوكهم وآدابهم تحصنت وارتقت بالإسلام
وتفاعلت من خلال الحضارة الإسلامية بغيرها من الثقافات والشعوب التي
اعتنقت الإسلام أو تلك التي تداخلت معها تواصلا بالسلم تارة وبالحرب تارة
أخرى، وعلى امتداد أربعة عشر قرنا توطدت الثقافة العربية في الأرض
والفاءات التي تقبلت شعوبها اللغة والثقافة العربية من خلال الهجرات
العربية التي تواصلت لنشر الإسلام واللدود عن حياضه وأصبح ما أصطلح عليه
بالوطن العربي من المحيط إلى الخليج بلادنا العربية ( العاربة والمستعربة ).
ومعروف
أن سلطة العرب والمسلمين تجاوزت هذه البقاع إلى تخوم الصين وأعماق إفريقيا
وجنوب أوروبا وإلى المحيط الأطلسي غربا على حدود موريتانيا والسنغال، وإلى
هذه البقاع بعد سقوط الإمبراطوريات العربية الإسلامية سواء الأموية بدمشق
أو العباسية في بغداد أو الفاطمية في المغرب ومصر، فإن الوجود الاجتماعي
الثقافي العربي حافظ على وجوده بل وامتداداته وتفاعله ونموه وعلى الرغم من
النكبات والكوارث والهزائم التي تخللت هذا التاريخ منذ الحروب الصليبية
وغزوات التتار والمغول والحروب الصليبية الحديثة والغزو الصهيوني وما
ألحقته الدول الإقليمية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثالثة على أساس من
تقسيم الاستعمار المتنص عليه ( سايكس بيكو ) رغم كل ذلك ورغم الهوان
السياسي الذي كرسته النخب المستلبة التي كانت نتاجا لتلك المرحلة ولم
ترتقي بمستوى الوحدة العربية ولا لتقدم حضارة الإسلام، فقد سادت البلاد
العربية ظروفا سلبية على مختلف المستويات وألحقت الهزائم بالأمة العربية
أمام الكيان الصهيوني والهجوم الإستراتيجي الغربي وخنوع الأنظمة العربية
المستسلمة لهذا الواقع والتي لم تتمكن من التعبير عن عظمة الأمة العربية
والحضارة الإسلامية الخالدة.
وفي
هذا الزمن الرديء الذي سيطرت فيه الصهيونية على كامل فلسطين واحتلت
الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفائهم العراق وحوصرت الجماهيرية
والسودان وأصبحت الأساطيل تحتل المياه العربية بعد اليابسة وأجواءها وبات
وللأسف الشديد مستغربا أن يتم الحديث عن الوحدة العربية أو الدور الحضاري
للأمة العربية وما قدمه الإسلام للبشرية من إسهامات وإبداعات لا يمكن
نكرانها، ومع بداية الألفية الثالثة ويا للهوان يكاد أن يصبح مرادفاً اسم
العربي أو المسلم هو الإرهابي على الرغم مما لحق بالعرب من ظلم وعدوان وما
تقاسيه اليوم أكثر من مساحة عربية خاصة في العراق وفلسطين من إرهاب دولة
فضلاً عن إرهاب الأفراد والجماعات.
في
هذه الظرف الخطير والمأساوي واضح أن المشروع القومي يتراجع وأن الدولة
القومية المسئولة عن الدفاع عن هذا المشروع وعن الأمة العربية لم يسمح لها
التغول المعنوي والمادي ضد العرب الذي يأخذ مداً استعماريا رهيباً من أجل
إلحاق الإهانة بالعرب والعمل على تفتيته وإثارة النعرات والطوائف وتوظيف
كل ذلك باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد العرب، ومع كامل الاحترام لكل
الثقافات والمجموعات والتأكيد على حقوق الإنسان والديمقراطية ليست ترديداً
ببغاويا لثقافة الغرب والتدثر بالاستلاب الثقافي، ولكن كما أشرنا انطلاقا
من منطلقات ديننا الحنيف الإسلام الذي كرم الإنسان وأمر بأن تكون علاقاته
تقوم على أساس الشورى وأنه لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى.
تأكيدا
على ما تقدم فإنه لمن الحاجة بمكان التأكيد على الإيجابيات في الحياة
العربية من ثقافة وتقاليد وعادات وسلوكيات إيجابية تعكس روح العروبة
والإسلام وتبني العلاقات على أساس من الإخاء والتواصل المبني على الاحترام
للذات الأخر، ونظرا لحالة الضعف والهوان التي بلغتها الأمة العربية فإن
الجانب الاجتماعي والثقافي أصبح الخط الأول للدفاع عن الأمة العربية
ومقوماتها من خلال التعارف والتواصل ونسح العلاقات الأخوية بين مختلف
المجموعات من قبائل وعشائر تنتسب للعروبة هوية وانتماء ومصلحة ليس من باب
العرق والعنصرية ولكن من باب الثقافة والأواصر الإنسانية التي زرعها
الإسلام وأنتجتها الحياة المشتركة خلال الأربعة عشر قرناً الماضية، ولاشك
أن الوجود العربي قبل وبعد الإسلام، ولعله لما يجدر ذكره والتنويه به أن
أرض العرب هي أرض النبوات والرسل جميعا، وبالتالي فإن الأمة العربية
وأرضها قد كرمها الله دون غيرها بهذا التكريم والإرث الحضاري ومعروف أنه
لأسباب تاريخية متطورة منها الحروب ( دفع الله الناس بعضهم ببعض) ومنها
الجفاف والرغبة في الانتشار والارتحال ومنها حمل رسالة الإسلام من أرض
العرب في الجزيرة إلى أقاصِ العالم القديم، شرقا وغربا وشمالا، وبذلك يمكن
القول أن هناك هجرات عربية متعددة وقديمة، وأن هناك أجيال من العروبة
بلغاتها وثقافتها قد انزاحت في هذه الأنصار فإذا أشرنا إلى هجرة الأكاديين
والأشوريين في بلاد الرافدين والكنعانيين في فلسطين والفينيقيين في لبنان،
والأمازيغ في شمال أفريقيا، وهي هجرات عربية سابقة عن الإسلام أنطلقت من
جزيرة العرب بشهادة متواترة لكثير من المؤرخين لعرفنا لماذا توضدعت
العروبة بعد الإسلام وتكرست في هذا الوطن العربي بين العراق وموريتانيا،
ولماذا استقبل العرب يومئذ في هذه الديار الإسلام بكل سهول، وهكذا وبعد
ظهور الإسلام تولدت أمة عربية إسلامية من خلال امتزاج وتواصل قبائلها عبر
الأجيال واختلط عاربها بمستعربها، وتشكلت بالفعل أمة حملت باقتدار رسالة
وحضارة الإسلام، وكما قال تعالى : ( إنها خير أمة أخرجت للناس ) وجاء في
الحديث الشريف ( إنه إذا ذلت العرب ذل الإسلام ).
واليوم
ما أحوجنا إلى التعرف على تاريخ هذه الأمة من خلال وجودها الاجتماعي
القائم اليوم والتقرب منه وفحص عاداته وتقاليده والثقافة التي ينتجها لكي
نتعرف من خلال ذلك إلى المشترك في هذه الثقافة من عادات وتقاليد ونعرف كيف
ندعم الإيجابي منه ونتفادى السلبيات ونعمل كذلك من أجل خلق جسور التواصل
ومحاربة النسيان والجهل، إذن إن الأمراض الاجتماعية والسياسية التي رانت "
تكرست " على الفكر والثقافة العربية تجاهلت ذلك التواصل الثقافي
والاجتماعي وهو بالمناسبة أقوى وصال يربط العرب اليوم ويؤكد وحدتهم بعد أن
تأخر التوحيد السياسي ووضعت الدول الإقليمية لمحاربة قيام الدولة القومية،
ويمكن أن يبنى عليه لتجديد وجودهم وتأمين مستقبلهم، حيث أن الكثير من
الأصوات بل والاتجاهات تفكر بالوحدة العربية المتأصلة في مجتمعاتنا والتي
تؤكدها هذه الروابط القومية بل والمتحدات الثقافية والاجتماعية بين
التكوينات الاجتماعية في الوطن العربي من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى
غربه ، وما نعنيه بذلك هذا التواصل بين العشائر والعائلات والقبائل في
الوطن العربي وهو وجود بتأكد ويفيض فوق الحدود المصطنعة ويؤكد وحدة الأمة
العربية رغم يأس الأنظمة العربية وتخلفها عن عصرها، يمكن أن يكون ذات يوم
وسيلة منهجية وديمقراطية لغرض تقرير مصير العرب إذا تخلت البنى القومية من
دول التجزئة عن مسئولياتها وأصبح العرب في مواجهة مصير الهنود الحمر تحت
الهيمنة الإمبريالية والصهيونية، وعن حاجة أمتها وللأسف فإن القوانين
الإقليمية التي قامت طبقا لاتفاقيات ( سايكس بيكو ) وانتسبت لميثاق
الحلفاء المنتصرين للحرب العالمية الثانية والذي سمي بميثاق الأمم
المتحدة، وأصبح ينظر لكل دولة بأنها أمة وبالتالي فإن شرعية ( سايكس بيكو
) لا تعترف بشرعية الأمة العربية، وبالتالي تنظر لمواطني البلدان العربية
الأخرى بأنهم أجانب وإذا تجرأ بالدخول لبلد عربي آخر أتهم بالتسلل ومخالفة
الدولة العربية ( الأجنبية ) التي يدخلها، لذلك فإن هذا الموقع إذ ينطلق
من فهم حضاري لدور الأمة العربية يتجاوز بالمنطق والحقيقة والتاريخ في
حدود الدول الإقليمية ويدعوا بكل قوة إلى ضرورة بناء الدولة العربية حتى
يتمكن العرب من بناء فضاءهم الذي يمكنهم من التواصل مع عصر العولمة،
ولتأخرهم عن إدراك الوحدة العربية فإنه لا بد له من الاستفادة من الفضاء
الإفريقي الذي يضم ثلثي العرب ويمكنهم من خلق ملاذ يمكن من خلاله أن يتم
أنجاز الفضاء العربي الإفريقي.
وكما
أسلفنا من قبل فإن هذه المقدمة تستهدف إلقاء الضوء على الهدف من تخصيص
موقع لإبراز دور إحدى تلك التكوينات الاجتماعية العربية انطلاقا من
تواجدها على أرض ليبيا العربية ثم بعد ذلك البحث عن صلاتها وعلاقاتها في
الوطن العربي والإفريقي.
والهدف
كما سبق الإشارة، هو التعارف الذي جعل الله سبحانه وتعالى هدفاً أساسيا من
خلق الشعوب والقبائل وإنه يبنى على هدف ثقافي حضاري وليس عرقي أو عنصري.
|