المهم ونحن نعيش زمن الهزيمة وسيطرة التجزئة وقوى التخلف والعدوان على الأمة العربية فإننا مطالبون بالوعي العميق لكل ما نقول ونفعل حتى لا نزيد الطين بله فنغرق إلى حيث لا قرار.
هذه المقدمة نبتدر بها الحديث عن موضوع القبيلة وموقعها في الأمة والوطن، خاصة في واقع الأمة العربية .
القبيلة :
جعل إلهي وليست شيئاً منتحلاً أو مختلفاً أو مدسوساً إنها إطار طبيعي للأسرة عندما تمتد وتكبر وتجمع لأفخاذ الأسر والعشائر ، أي إنها جمع لمعلوم عاقل ومسئول ، وهذا على الأقل في وطننا العربي وفي دنيا البداوة والصحراء أداة هامة من أدوات الحياة والاستمرارية والقيم النبيلة، ولكن هناك محاذير وسلبيات للقبيلة لابد من الوعي بها :
1. عندما تستخدم التعصب أسلوباً بديلاً عن التعاون والتعارف، والتعصب مخالف لتعاليم الإسلام الذي نص في القرآن الكريم ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ).
2. إن دور القبيلة هو حفظ النسب وإشاعة التعاون ومكارم الأخلاق والمحافظة على عادات وتقاليد الأمة النبيلة كالشجاعة والكرم ومحاربة عادات النهب والسلب والافتئات عن الآخرين.
3. إن للقبيلة إذن دور ثقافي اجتماعي وليس لها التدخل في العمل السياسي لأنها بذلك تخرج عن طبيعتها وتزاول عملاً ليس من مهامها وتفسد الحياة العامة والسياسية.
الأمة :
هي ذلك التكوين الاجتماعي المتجانس فكريا ًوثقافياً واجتماعيا، الذي تربطه لحمة اللغة الواحدة والأهداف الواحدة والإرادة والدين الواحد، لكن ذلك لن يكون محمياً ما لم تنجز الأمة دولتها القومية الواحدة، وقد اختلفت المدارس الفكرية في تعريف مفهوم الأمة: مثلاً ..
المدرسة الألمانية : تأخذ بعامل اللغة، فكل من يتكلم الألمانية فهو منها.
المدرسة الفرنسية : تأخذ بالإرادة والمشيئة، وبالتالي فمن يرغب بإرادته أن يكون فرنسياً فله ذلك .
المدرسة المتكاملة : تأخذ بعوامل متعددة كما أسلفنا منها اللغة والإرادة والدين والثقافة والأهداف والأرض المشتركة.
المهم هنا لنفهم علاقة القبيلة بالأمة :
إذا كانت القبيلة هي مجموعة الأسر والأفخاذ التي تنصهر في إطار اجتماعي متماسك تربط عوامل الدم والقرابة والعادات والتقاليد، فهو جزء من مجموعة قبائل وتجمعات سكانية، قرى ومدن تتراخى فيها الروابط القبلية حتى تنمحي وتحل محلها الحي والشارع، وهكذا تتكون الأمة من مجموعة مواطنين يتخذون لأنفسهم أنماطاً من التشكل الاجتماعي حسب طبيعة المنطقة الجغرافية والمستوى الحضاري من بداوة وزراعة ورعي والاستقرار والعيش في المدينة .. الخ.
وفي الوطن العربي، فإن القبيلة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ ويحافظ العرب على أنسابهم ولا ضير في ذلك إلا أن الضير كما أسلفنا في التعصب الذي ينعكس سلباً على الحياة المدنية من الناحية السياسية و الحضارية لذلك لابد أن نعرف ونضع القبيلة في إطارها الثقافي والاجتماعي، وبذلك تصان الأمة وترتقي وتنتج الثقافة القومية، خاصة في أمة بمستوى الأمة العربية يشكل الإسلام القائم على القرآن مضمون ثقافتها الإسلامية .
الدولة : يرى المشّرعون وفقهاء القانون أن الدولة هي تعبير عن إقليم - أرض - يسكنه شعب يكونون سلطة.
ومن المفارقة التاريخية بالنسبة للأمة العربية، أن أرضها قسمت بالقوة فأصبحت أراضي أحتلها مستعمرون متعددون منهم البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون والأسبان والبرتغاليون..الخ ، وذلك حسب اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 مسيحي من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وإن كانت فرنسا قد سبقت لاحتلال الجزائر عام1830 مسيحي ، وتونس عام 1882 مسيحي ، وإيطاليا لليبيا عام 1911 مسيحي، والمغرب عام 1912 مسيحي .
إن الوطن العربي بعد ضعف وزوال الخلافة الإسلامية أصبح مجموعة أوطان وهذه كارثة تاريخية لم ينتبه لها العرب للأسف، بل فرحوا بها لأنها وسعت نفوذ الأسر المتضررة الذين أصبحوا حكاماً لتلك الأقاليم ، وهكذا قسمت الأمة الواحدة إلى 22 كيان .
ولما كان ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 مسيحي يعترف بالدولة الأمة وقد اتضحت للدول العربية فور استقلالها إلى هذا الميثاق وبذلك فهي اليوم في نظر الميثاق والقانون الدولي 22 أمة، ولعل حرب العراق والكويت أوضح دليل، حيث لم ينظر العالم لتلك الحرب إنها بين أمة واحدة وإن كانا يستظلان بكيانين سياسيين.
المهم في الأمر هنا أن ننتبه إلى أن الدولة القومية غائبة، وبالتالي وحدة الأمة السياسية غائبة، وتبقى الكيانات القطرية بمختلف مسمياتها أمر واقع جاثم على جسم الأمة وحائل دون قيام دولتها القومية، ومما زاد الأمور تعقيداً أن الجامعة العربية التي قامت في نفس العام 1945 مسيحي بقيت مقيدة بقيود تأسيسها كتجمع لكيانات قطرية وليس كتعبير عن جسم سياسي لأمة واحدة.
والأمل معقود في ظل التغيرات العالمية والكوارث التي تعيشها الأمة العربية أن يسود الوعي والحكمة أمتنا على مستوى القبيلة والقطر ثم الأمة والدولة القومية.
( وقل أعملوا فيسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) صدق الله العظيم.
ملاحظة :
وللتعمق في هذه الموضوعات يمكن الرجوع لعدد من المراجع منها الكتاب الأخضر في جزئيه الأول والثالث شرحاً وافياً.